FR | AR

الانسداد الشرياني الحاد في الأطراف

 

الانسداد الشرياني الحاد في الأطراف : حالة جد شائعة، مستعجلة و غير معروفة
Ischémie aiguë des membres inférieurs : urgence vasculaire très fréquente mal connue

بقلم د. حميد شنان

يعتبر الانسداد الشرياني الحاد في الأطراف أحد أكثر مستعجلات الجراحة الوعائية شيوعا بل أيضاً واحدا من أخطرها، فهذا الداء عبارة عن مجموعة من المضاعفات الخطيرة الناتجة عن الانقطاع المفاجئ لتدفق الدم بسبب وجود حاجز في أحد الشرايين. بالنسبة للمرضى صغار السن (أقل من 50 سنة) يكون في الغالب عبارة عن جلطة دموية مهاجرة من القلب لتستقر في شرايين الأطراف، أما بالنسبة لكبار السن، فبالإضافة إلى هذا السبب، هناك أسباب جد متعددة و يأتي في مقدمتها طبعا تصلب الشرايين و تبعاته.
يعتبر الانسداد الشرياني الحاد حالة استعجالية، يتوجب خلالها نقل المريض سريعا إلى المستشفى وطلب استشارة عاجلة من جراح الأوعية، ذلك نظرا لخطورة المضاعفات التي قد تؤدي إلى الموت.

نبذة عن الإحصائيات و فيزيولوجيا المرض :

يصيب الانسداد الحاد مايناهز 1% من الأشخاص دون سن الخمسين، و 5% بعد هذا العمر. و هنا بعض الإحصائيات الموثقة في العالم:

– Elliot الولايات المتحده 50 حالة لكل 100000 نسمة؛

– Estevan اسبانيا 35 حالة لكل 100000 نسمة؛

لا تتواجد لحد الآن احصائيات خاصة بالمملكة المغربية.

يمكن خلال الأربعة و العشرون ساعة الأولى أن تصل الوفيات من 5- 10% أما إذا استمر الإقفار لأكثر من ذلك يمكن أن تصل نسبة الوفيات من 20- 40% كذلك فإن نسبة بتر الطرف يمكن أن تصل من 20- 50%.

عندما يحصل انسداد مفاجئ في أحد شرايين الأطراف، فعادة ما يحدث تشنج وعائي في الشرايين في النسيج العضلي للشريان مما يؤدي لحدوث تخثر دموي ثانوي في هذه الشرايين، مما يفسر حدة الأعراض مقارنة مع داء تصلب الشرايين المعتاد.
عموما، يتوجب علينا التمييز بين حالتين :
– الانسداد الشرياني الحاد لدى المريض الشاب : في هذه الحالة، تكون شرايين الأطراف في حالة جيدة و غير مصابة بالتصلب، مما يعني عدم وجود شرايين بديلة، كتلك التي نراها لدى المسنين بأوعية مصلبة (absence de collatérales)، مما يؤدي في حالة الانسداد الحاد إلى خطورة أكثر في ظهور المضاعفات كبتر العضو أو الفشل الكلوي الحاد أو حتى الموت.
– الانسداد الشرياني الحاد لدى المريض المسن : المصاب أصلا بداء تصلب الشرايين، في هذه الحالة، غالبا ماتكون الأعراض أقل حدة نظرا لتعود عضلات الأطراف على نقص التروية، مما يجعل التطور المرضي نسبيا أكثر بطأً، لكن هذا لا يعفي من المضاعفات في حالة عدم العلاج. في حالة التخثر الشرياني ربما تكون النتيجة أقل دراماتيكية، وذلك بسبب الضرر الحاصل أصلا في الشريان والذي يؤدي إلى تطور آليات معوضة، كالدورة الرادفة.

من المعروف أن الألياف العضلية و كذا الأعصاب المحيطية في الأطراف ، لها القدرة على تحمل حتى 6 ساعات من الإقفار(الاسكيميا / انقطاع تدفق الدم / ischémie) مع القدرة على التعافي في حالة استرجاع تدفق الدم ، و لكن في حال استمرار انقطاع تدفق الدم الشرياني لأكثر من 6 ساعات، فإن العديد من الأضرار ستبدأ بالتراكم لتنتهي إلى موت الأنسجة في الأطراف و بذلك ضرورة بتر العضو. ومن هذه الأضرار:

– موت نسيجي عضلي : مع تراكم السموم و بقايا النسيج العضلي (rhabdomyolyse) و هذه المواد تدمر الكلي مما ينتج عنه فشل كلوي حاد من الممكن أن يتحول إلى فشل مزمن مع ضرورة غسل الكلي مدى الحياة ( في حالة البقاء على قيد الحياة)؛

– آفات اقفارية عصبية : موت الأعصاب المحيطة؛

– ارتفاع في لزوجة الدم : مما يؤدي إلى ظهور جلطات في أماكن أخرى في الجسم.

إن مدة دوام انقطاع تدفق الدم الشرياني جد هامة، حيث أن هناك ارتباط وثيق بين هذه المدة والتغيرات النسيجية الحاصلة. إذا كانت هذه المدة أقل من 6 ساعات، فمن الممكن تفادي كل المضاعفات في حالة عرض المريض على جراح الأوعية الذي يقوم بعملية إزالة الجلطة. أما إذا كانت المدة أكثر من 6 ساعات، فإن حظوظ الاحتفاظ بالأطراف السفلى تتلاشى كلما زادت هذه المدة، مع احتمال ظهور مضاعفات أخرى.

في حالة وجود إقفار حاد في النسيج العضلي (ischémie musculaire aiguë )، فإن مستويات ثلاثي فوسفات الأدينوزين(ATP) تكون جيدة بفضل الطاقة العالية للكرياتين فوسفوكيناسا (creatin-fosfoquinase)، ولكن بعد ثلاث ساعات تبدأ هذه المستويات بالنفاذ، و بالتالي يبدأ ال ATP بالانحدار، حتى ينفذ بشكل تام بعد 6 ساعات.

أسباب انقطاع تدفق الدم الحاد :

هناك سببان رئيسيان هما: الانسداد الشرياني بالجلطة embolie artérielle و الختتار الشرياني thrombose artérielle.

الانسداد الشرياني الحاد بالجلطة ischémie artérielle embolique:

أسبابه :
• الرجفان الأذيني (fibrillation auriculaire)؛
• أمراض صمامات القلب : تضيق الصمام الأورطي أو الميترالي؛
• احتشاء عضلة القلب(infarctus du myocarde)؛
• أورام القلب myxomes؛
• التهاب الشغاف(endocardite aiguë et végétations)؛
• أم الدم البطنية Anevrysme thrombosé de l’aorte abdominal ؛
• جراحات القلب؛
• اللويحة العصيدية (atherome plaque)؛
• ختار أم الدم (aneurismatic thrombus)؛
• جسم غريب.

عادة ما يكون الدماغ هو الوجهة ل 60% من هذه الجلطات، أما ال 40% الباقية فإن 80% منها تتجه نحو الأطراف السفلية، و حوالي 15%منها نحو الأطراف العلوية، والباقي لوجهات أخرى.

الأعراض :

عموما، تكون البداية بشكل فجائي، ألم حاد على مستوى موضع الانسداد، ثم يتجه نحو الساق والقدم، وربما يكون هذا الألم نتيجة التهاب العصب الإقفاري(névrite ischémique ). إذا كانت الدورة الرادفة مناسبة، فإن الألم يختفي في بضع ساعات – لدى كبار السن- ، أما إذا كانت غير مناسبة فإن شدة الألم ستزداد، بعد ذلك يبدأ شعور بالوخز و التنميل، خدلان وبرودة في الأصابع، تبدأ هذه الأعراض في المنطقة القاصية – الأصابع و مشط القدم – ثم يتجه نحو الأعلى، يظهر بعد ذلك ضعف عضلي ثم شلل في الطرف. إذا لم تتكون الدورة الرادفة فإن الموت النسيجي يبدأ بالظهور، بعدها يبدأ الألم بالتلاشي.
من الضروري جداً تلقين هذه الأعراض و كيفية الكشف عنها لجميع مرضى التصلب الشرياني ومرضى القلب حتى الشباب منهم، وكذلك وخصوصا الأطباء العامون و طلبة الطب. إن معرفة هذه الأعراض و كذا حسن تدبير الحالة و إرسالها إلى جراح الأوعية في الوقت المناسب تعتبر عوامل حاسمة في إنقاذ المريض.
لذا، في حالة الشك في وجود انسداد شرياني حاد، من الإجباري عرض المريض على جراح الاوعية فورا.

الفحص السريري :

يلاحظ هبوط حاد و كبير في الحرارة على مستوى المنطقة المتضررة، على حدود هذه المنطقة يمكن ملاحظة ارتفاع للحرارة(Antonioli sign)، بعدها بقليل يظهر شحوب حاد، وبعدها بساعات يظهر ازرقاق مرقش، وإذا رفعنا الطرف للأعلى يأخذ لون الجسد الميت، و إذا أنزلنا الساق للأسفل فإن الطرف يأخذ اللون الأزرق الداكن. زمن الملء الوريدي (venous filling) عادة ما يكون متأخر جدا (اكثر من 60ثانية).

هناك اختفاء للنبض تحت مستوى الانسداد، كما يلاحظ وجود ألم فوق منطقة الانسداد الشرياني(Aleman sign).

وعادة ما نجد نبض شديد فوق هذه المنطقة(Sencert signe). هناك فقدان للإحساس في منطقة الإقفار بعد الساعة الأولى. إذا استمر الانسداد لأكثر من6 ساعات يصاب العضو المصاب بالشلل.

الختار الشرياني :

بعكس الانسداد بالجلطة، فإن الختار الشرياني thrombose artérielle sur athérosclérose يعتمد على عوامل محلية و عامة، فبالرغم من أن هذه الانسدادات تكون حادة، إلا أن التعامل معها يختلف في الختار الشرياني عنه في الانصمام الشرياني، ففي حالة الختار عادة ما يكون هناك آفة في الجدار الشرياني تشكل قاعدة لتشكيل الختار.

أسباب الختار الشرياني:
• تصلب الشرايين artériopathie oblitérante des MI ؛
• ام الدم الشريانية؛
• التسلخ الشرياني (dissection artérielle)؛
• مرض بيرغر(maladie de Burger)؛
• التهاب الشرايين vascularités؛
• مضاعفات علاجية؛
• انخفاض قدرة عضلة القلب و تزايد درجة لزوجة الدم؛
• رقعة شريانية (arterial grafts) .

أعراض الخثار الحاد:

يمكن أن تتراوح بين عرض بسيط (ضياع النبض مثلا)، أو عرج متقطع يظهر فجأة، أو هبوط مفاجئ في مسافة العرج المتقطع المتواجدة أصلا عند المريض.

تعتمد الأعراض على عدة عوامل منها موضع وجود الختار، تطور الدوران الرادف، طوبوغرافيا الانسداد الشرياني، الزمن الذي مر حتى بدأ العلاج ، كذلك إذا حصل الختار في جزء شرياني غير مسدود(انسداد أولي)، أو جزء مصاب بالختار أصلا (انسداد ثانوي). يحصل الانسداد الأولي في حوالي40% من الحالات بدون أعراض سابقة كالمشي المتقطع، و هنا تكون الأعراض مشابهة لأعراض الانصمام الشرياني الحاد.

في معظم الحالات البداية تكون فجائية مع ألم شديد ومذل(paresthésie )، شحوب وازرقاق، وانخفاض في حرارة الطرف المصاب. وغالبا مايلاحظ اشتداد في درجة المشي المتقطع( aggravation de la claudication ).

الانسداد الثانوي أكثر شيوعا، ويحصل في 60% من الحالات، هنا الأعراض تبدأ بالتدريج، آلالم عادة تزداد شدة مع الوقت بسبب سريان الختار في الاتجاه القاصي. السيرة المرضية هامة جدا، حيث تعطينا فكرة للتمييز بين هذين النوعين من الختار الشرياني. تغير لون الأصابع أو القدم أو الساق، يكون ظاهرا عادة فقط عند رفع الطرف للأعلى.

هناك أسباب أخرى للإقفار الحاد لكنها أقل أهمية منها:
• القسطرة الشريانية après cathétérisme ؛
• فرط الجهاد العضلي؛
• الكسور؛
• الخلع المفصلي luxation ؛
• إصابات الأسلحة النارية ؛
• متلازمة مخرج الصدر(thoracic outlet syndrome) .

التشخيص:

عادة ما يكون التشخيص سهلا، عادة ما يبحث الطبيب عن الأعراض الرئيسية الآتية:
• ألم مفاجيء حاد (pain) ؛
• تورم في الطرف المصاب (puffiness) ؛
• غياب النبض (pulselessness) ؛
• شحوب(pallor) ؛
• شلل وظيفي(paralysis) .

عند ملاحظة هذه الأعراض، يقوم الطبيب العام و أي طبيب أخصائي آخر أو ممرض إلى تحويل المريض إلى عيادة جراحة الأوعية بشكل فوري.

بالإضافة للفحوصات الروتينية، يقوم جراح الأوعية بالفحوصات التقنية التالية:
• قياس نسبة الضغط بين الكاحل والذراع (Ankle arm index) أو(pressure index) بواسطة Doppler؛
• قياس نسبة الضغط على مستويات متعددة من الطرف المصاب وبنفس التقنية(segmentary pressures)؛
• استخدام الفحص بالصدى الملون يساعد في تحديد الأضرار في الجدار الشرياني و كذلك مكان الانسداد أو التضيق الشرياني؛
• التصوير المقطعي الإشعاعي angioscanner ؛
• الرنين المغناطيسي ، هذه التقنية تعطي نتائج أفضل من سابقتها، لكن لا نحتاجها؛
• التصوير الشرياني(Arteriography) ربما تكون هي الطريقة المثلى والأنجع للتشخيص .

يجب ألا ننسى أبدا أن التشخيص السريري هو الأساس في هذه الحالات ، وعندما يكون هذا التشخيص واضحا ، فلا حاجه لانتظار عمل تصوير شرياني أو أية تقنية تهدر وقتا قد يكون ثمينا جدا. وهنا تكمن أهمية العرض المبكر جدا على جراح الأوعية(أقل من 6 ساعات على بدأ الأعراض).

العلاج الأولي :

يجب أن يأخذ بالاعتبار الأمور التالية:

1- تدابير عامة و علاج الألم

يوضع المريض مستلقيا وينصح بعدم تدلية القدمين لتجنب حصول وذمة في الساق والتي ستزيد الحالة سوءا، كما يغطى الساق بغطاء من الصوف لتدفئته. يعالج الألم بالمسكنات المستعملة عادة. يجب الحذر من استعمال مشتقات المورفين لأنها تسبب هبوطا في الضغط، وبالتالي تزيد من حدة الإسكيميا.

في حالة وجود أعراض لالتهاب جلدي، يمكن اللجوء للمضادات الحيوية.

2-الحد من نمو التخثر و الجلطة :

عادة ما يستعمل الهيبارين Na, 200- 600ملغم يوميا بواسطة perfuseur d’héparine، يجب عمل فحص زمن التخثر كل 12ساعة وذلك لتعديل الجرعات والمحافظة على زمن تخثر 15-20 دقيقة.

3 -علاج الامراض المرافقة كالسكري، الضغط، أمراض القلب ….

العلاج الجراحي : أساس العلاج

– استئصال الجلطة embolectomie chirurgicale ؛

– التوصيلات الشريانية techniques de pontage ؛

– إصلاح الشرايين باستعمال الترقيع.

يقوم جراح الأوعية باختيار الطريقة المناسبة حسب المريض وطبيعة الانسداد الشرياني.

هناك علاج آخر يمكن اللجوء إليه في بعض الأحيان، و هو إذابة الخثار(حل الفبرين ) (Fibrinolyse) حيث يتم حقن (Urokinase) أو أحد المواد المشابهة موضعيا، وتعتمد النتائج على عمر الخثار و على درجة الإسكيميا ischémie. عندما يكون مؤشر الضغط (Ankle-arm index) أقل من 0.25 فإن النتائج عادة ما تكون سيئة.
كما ان هذه التقنية تكون عادة محفوفة بخطر النزيف الدماغي الحاد.. مما يقلل من أهميتها.

وفي النهاية، وجب التذكير على أن كل شك بوجود انسداد شرياني حاد، كيفما كان عمر المريض، يجب أن يعرض في أقل من 6 ساعات على جراح الأوعية لتفادي المضاعفات التي غالبا ما تكون ثقيلة جدا.